نهى الصراف
لم تعد السمنة أو زيادة الوزن في مرحلة حرجة من مراحل العمر، مثل مرحلة الطفولة، ميزة كما يعتقد البعض، بل أصبحت وباء لما تسببه من مضاعفات صحية ونفسية خطيرة قد ترافق الطفل حتى بلوغه مراحل عمرية متقدمة. وإذ تشير التقارير التقريبية لمنظمة الصحة العالمية الى أن معدلات البدانة لدى الأطفال قد تضاعفت الى ثلاث مرات خلال ال20 سنة الماضية، فأن الأمر يتعدى بكثير كونه ظاهرة الى وباء قد لا يقل خطورة عن بقية الأوبئة التي تهدد حياة البشر في يومنا هذا، مع الأخذ في الحسبان بأن هذا الوباء يمتد تأثيره الى المستقبل.
الأسباب عديدة، إلا أن أغلبها يتعلق بأسلوب حياة الآباء التي تنعكس سلبياتها على صحة الأبناء. لا نستطيع أن نستثني في هذه الحالة الأسباب الوراثية.. والتي تلقي باللوم أيضا على الوالدين!.. إلا أن الأبحاث أثبتت بأن العامل الوراثي لا يمثل سبب رئيس في سمنة الأطفال.
بناء على أدلة أولية، درس باحثون أسباب معاناة الأطفال في هذه الأيام من السمنة بصورة لافتة، وأظهرت بعض النتائج أن الأطفال الذين لا يحصلون على قسط كاف من النوم قد يكونون معرضين لخطر الإصابة بالسمنة وسوء الأداء في المدرسة، كما تشير الدلائل الى أن تزايد الوقت الذي يمضيه الطفل في استخدام معدات التقنية الحديثة وعلى رأسها الكمبيوتر والانترنت، الألعاب الالكترونية والهواتف المحمولة، تزيد من احتمال إصابته بالسمنة إذ أنه في الوقت ذاته لا يحصل على كفايته من النوم.
إن زيادة وزن الطفل في أغلب أسبابه هو أسلوب حياة خاطىء يتسم بتناول أطعمة غير صحية، اهمال تناول وجبة الفطور والمبالغة في تناول الطعام وخاصة تناول الوجبات الرئيسة في وقت متأخر من اليوم، الإدمان على الوجبات السريعة والمشروبات الغازية التي تتصف بغناها بالسعرات الحرارية وتناول أطعمة غير صحية بين الوجبات مثل الحلويات ورقائق البطاطا، في الوقت الذي تقل فيه أنشطة الطفل البدنية بشكل قد لا يكفي لحرق معظم هذه السعرات الإضافية، فندرة النشاط الرياضي وقضاء ساعات عديدة أمام الشاشة الصغيرة وأجهزة الكمبيوتر والألعاب الإلكترونية هي العوامل الرئيسة، إضافة الى أن انشغال الطفل بهذه الأنشطة (غير البدنية) قد يمنعهم من أخذ قسط كاف من النوم .. وهذا بدوره يسهم في زيادة الوزن، إذ أن قلة النوم قد يبطىء عملية التمثيل الغذائي إذ يقل استهلاك الطاقة وحرق السعرات الحراية.
الطعام كوسيلة ثواب وعقاب
لا يمكن أن نغفل بأن بعض المعتقدات المتوارثة التي تصر بعض الأمهات على اتباعها قد تسهم في تعزيز الممارسات اليومية الاستهلاكية الخاطئة، فالحاح الأم المتواصل على طفلها لأكمال كل الطعام الموجود في طبقه حتى وإن كانت كمية الطعام تتعدى حاجة جسمه وسنه حيث يعتقد البعض أن تناول كمية أكبر من الطعام دليل على التمتع بالصحة. كما أن استخدام الأطعمة المحلاة كأسلوب ثواب وعقاب للسيطرة على سلوك الطفل
خارج المنزل، هنالك المزيد من المؤثرات التي تشكل طبيعة السلوك الغذائي للأطفال، فلا ننسى الوجبات المدرسية اليومية التي تتصف في أغلبها بأنها وجبات غنية بالسعرات الحرارية وغير صحية الى حد ما. إلا أن دراسة حديثة أثبتت بأن الوجبات السريعة التي تقدمها المدارس لايبدو انها تسهم في زيادة وزن التلاميذ. واشار باحثون الى انه لم يتم العثور على صلة بين زيادة الوزن التي يعاني منها بعض تلاميذ المدرسة الابتدائية ونوع الوجبات التي تقدم في المدارس والتي تتصف اغلبها بأنها وجبات غير صحية.
وتذهب النتائج التي خرجت بها الدراسة التي نشرت في عدد يناير من هذا العام من مطبوعة علم الاجتماع والتربية، الى ان التركيز على معالجة سمنة الأطفال يجب ان تستهدف في الأساس الآباء والأمهات وطبيعة العادات الغذائية المتبعة في المنزل، اضافة الى نوع الطعام الذي يأكله الأطفال خارج المنزل سواء أكان في المطاعم أو المدراس.
وتقول جنيفر فان هوك، باحثة واستاذة علم الاجتماع في جامعة ولاية بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأمريكية والتي أشرفت على الدراسة: المدارس لا تمثل سوى جزء صغير من البيئة الغذائية للأطفال. وتضيف: “اذا كنا نريد حقا التصدي لوباء بدانة الأطفال، لا يمكننا التركيز فقط على المدارس”.
وإذا عدنا الى المنزل فلا يمكننا أن نغفل تأثير التلفاز كوسيلة إعلامية بالغة الخطورة، حيث أثبت أن لإعلانات الأطعمة في التلفاز تأثير كبير في عادات الطفل الغذائية وارتفاع معدل تناوله للأطعمة غير الصحية، كذلك تنامي شهيته التي تتسبب في إفراطه في الطعام بصورة غير مسوغة. ومع وجود خدمة توصيل الطعام للمنازل فإن المشكلة تتعقد بصورة أكبر حيث يصبح بالإمكان ترجمة ما تنقله الإعلانات ترجمة فورية وحرفية!.. وما يتبعه من عادة تناول الطعام والجلوس لساعات لمشاهدة برامج التلفاز وهذا داء عضال آخر يسهم في تعقيد المشكلة.. الأهم من ذلك مشاركة الأهل أبنائهم في هذا السلوك الخاطىء، فالعادات الغذائية السيئة التي يكتسبها الطفل هي في الأساس نتيجة تأثره بالنظام العام المتبع في المنزل والأهل هم على رأس قائمة المؤثرات السلبية اليت تدفع بالطفل الى اكتساب عادات سيئة ومنها إدمان الطعام.
الطفولة المبكرة والرضاعة الطبيعية
تمثل الرضاعة الطبيعية أثمن مكافأة يمكن أن تقدمها الأم لأطفالها، فهنالك قائمة طويلة من الفوائد الصحية للطفل تكمن في الرضاعة الطبيعة وإحدى هذه الفوائد حمايته من الإصابة بزيادة الوزن أو البدانة على الأمد البعيد، حيث أثبتت دراسة حديثة أن الأطفال الذين حرموا من الرضاعة الطبيعية معرضين للإصابة بالسمنة بنسبة الضعف مقارنة بنظرائهم من الأطفال الذين حصلوا على مكافأة الرضاعة الطبيعية. الدراسة التي نشرت في المجلة الأمريكية للتغذية السريرية في أواخر العام 2011 هي واحدة من النظريات التي تربط بشكل فاعل بين سمنة الأطفال في مراحل عمرية مبكرة والرضاعة الطبيعية، كما أثبتت الدراسة ذاتها بأن الأطفال الذين يتناولون المشروبات والعصائر ذات المحتوى السكري العالي هم الأكثر عرضة للسمنة بنسبة الضعف من الأطفال الذين يتناولون كميات أقل من العصائر السكرية أو الذين لا يتناولونها على الإطلاق ويكتفون بالحليب أو الماء.
في ألمانيا ووفقا للأرقام الرسمية، فان قرابة ربع الأطفال يعانون من السمنة أو زيادة الوزن.. ومن بين كل 3 أطفال يتخرجون من المدارس الابتدائية هنالك في الأقل طفل واحد يعاني من السمنة أو زيادة الوزن. وتشير الأرقام الى أن وباء السمنة يسيطر على المدن والبلدات أكثر من المناطق الريفية، أما في لندن فأنه الأوسع انتشارا.. وبحسب احصاءات وزارة الصحة البريطانية في الأشهر القليلة الماضية، يعاني قرابة 17 في المائة من الفتيان و15 في المائة من الفتيات، الذين تتراوح اعمارهم بين عامين و15 عاما، من السمنة أو زيادة الوزن.
من ناحيتهم، حذر نشطاء في مجال مكافحة السمنة بأن هذه الحقائق تؤكد بأن جيل المستقبل من البالغين سيكونون في الأرجح يعانون من السمنة وما يتعلق بها من مضاعفات صحية خطيرة طويلة الأمد، مثل أمراض القلب والسكري والتهاب المفاصل واضطرابات التنفس أثناء النوم وربما بعض أنواع السرطان، كما أن العديد من حالات السمنة لدى الصغار تميل الى أن تصبح مؤشرا مستقبليا لاحتمال تعرضهم للسمنة في الكبر ايضا.
من ناحية أخرى، تمثل الاضرار النفسية بعدا آخر ربما يكون أشد فتكا، فالطفل الذي يعاني من السمنة يعاني من التمييز من قبل الأطفال الآخرين بأنه يختلف عنهم في تكوينه الجسماني، ما يحرمه العديد من الفرص لمشاركة أقرانه اللعب وهذا يؤدي الى تناقص ثقته واحترامه لنفسه. من ناحية أخرى، يمكن لهذا النوع من الضغط النفسي أن يعوق تقدمه في المدرسة وعلاقاته الاجتماعية برفاقه إضافة الى تقليص حجم صداقاته وعلاقاته الاجتماعية خارج المدرسة، فتكون العزلة خياره المفضل في أغلب الأحيان وقد تؤدي به في بعض الحالات الى الإصابة بالاكتئاب وهو مرض لا يقل خطورة عن أمراض القلب والسكري.
الطفل عنيد بطبعه خاصة مع الأشياء التي يرتبط بها عاطفيا كالطعام الطيب المذاق..
إن المبدأ الأساس في مواجهة سمنة الطفل هي ادخال تعديلات جوهرية على عاداته الغذائية وذلك بتقليل كمية الطعام التي يتناولها، خاصة إذا كانت الأطعمة غير الصحية الغنية بالسعرات الحرارية تشكل جزء كبيرا من طعامه اليومي، تجنب اعطائه الأطعمة والعصائر المحلاة والمشروبات الغازية والمكونات الغنية بالدهون بين الوجبات مثل البسكويت والشيكولاتة ورقائق البطاطا واستبدالها بالفواكه والخضراروات والحليب.. في الوقت الذي يجب أن يتم فيه التعامل مع الحليب باعتباره طعاما وليس شرابا، إضافة الى تعويده على شرب الماء بكميات كبيرة والأهم من كل ذلك هو محاولة التركيز على وجبة الفطور وتعديل برنامج نومه واستيقاظه، إذ أن اعتياده على النوم المبكر يجنبه تناول المزيد من الأطعمة في وقت متأخر من الليل. أما الجزء الثاني فيتعلق بجعل الأنشطة الرياضية بجميع صورها جزء من برنامجه اليومي وفي المقابل محاولة التقليل من ساعات جلوسه أمام التلفاز أو استخدام ألعاب الكمبيوتر بصورة مبالغ فيها.
بالطبع، لا يمكن ان تنجح أي من الحيل التي أشرنا اليها سابقا بسهولة، ونسميها حيل لأن تطبيقها عمليا قد يواجه بعض الصعوبات ويتطلب الكثير من الحكمة والصبر.. لذا يتوجب علينا التحايل في استخدامها مع الصغار. ولعل تغيير أنماط وعادات غذائهم اليومي ليس بالأمر الهين كما قد يعتقد البعض.. فالطفل عنيد بطبعه خاصة مع الأشياء التي يرتبط بها عاطفيا كالطعام الطيب المذاق والألعاب، فيتوجب علينا أولا اختيار الأسلوب الأمثل للتعامل مع الطفل الذي يعاني من السمنة وعدم استخدام الأساليب الخاطئة في ذلك.. كالحرمان والعقاب ومحاولة السيطرة القسرية على سلوكه والتصلب في الرأي والسخرية منه.. وهذه الأخيرة قد تعزز من معاناته النفسية بسبب سمنته واحساسه بتميزه عن بقية الأطفال.
علينا التأكد أولا من أن الآباء والأمهات في حالة صحية جيدة وقادرين على تنشئة أطفالهم بطريقة صحيحة. هذا ما يقوله علماء النفس والتربية.. كما يجب أن يكون الأهل قدوة لأطفالهم في أتباعهم أسلوب حياة متوزن وصحي، فالآباء والأمهات الذين يتبعون عادات غذائية خاطئة ويعيشون حياة يومية مليئة بالفوضى وخالية من النظام والتخطيط، غالبا ما ينشئون أبناء مثلهم.. فالآباء يأكلون الطعام غير الصحي والأبناء يسمنون!
التقنية الحديثة والوجبات السريعة في قائمة المسببات.. سمنة الأطفال.. أسباب وراثية أم أسلوب حياة خاطىء
Keine Kommentare:
Kommentar veröffentlichen