منذ سنة 2006 يصدر عن معهد لودر التابع لجامعة بنسلفانيا الأميركية تصنيف سنوي لمراكز التفكير (Think Tanks). وهو تصنيف يحاول أن يحدد أفضل مراكز التفكير على مستوى العالم، أو على مستوى مناطق محددة مثل أميركا الشمالية وأوروبا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط… كما يقدم تصنيفاً لأفضل مراكز التفكير في تخصصات محددة، كالأمن القومي والاقتصاد والتعليم والطاقة والسياسة الخارجية والتكنولوجيا… وغيرها.
وفي أواخر شهر يناير/كانون الثاني 2015 صدر أحدث تصنيف عالمي لمراكز التفكير عن سنة 2014؛ وشملت الدراسة التي خرج عنها التصنيف 6,618 مركزاً مسجلاً لدى “برنامج مراكز التفكير والمجتمعات المدنية” (TTCSP).
ومراكز التفكير هي مؤسسات تهتم بأبحاث السياسات العامة وتحليلها، وتوفر المعلومات، وتقدمها بطريقة مفهومة وموثوقة، وتستقرئ المسارات المستقبلية المحتملة؛ وبالتالي تقوم بتقديم النصح والمشورة محلياً وعالمياً، لتعين صانع القرار في الجهات الرسمية وغير الرسمية (مؤسسات، شركات، أحزاب…) في اتخاذ القرارات المناسبة. (انظر لمزيد من التفصيل حول مراكز التفكير ودورها، التقرير الصادر عن معهد لودر حول هذه المراكز لسنة 2014، ص 42-6).
ومن خلال اطلاعنا على نتائج التصنيف لسنة 2014 يمكن تسجيل بعض النقاط والملاحظات:
أولاً: تستحوذ مراكز التفكير في أميركا الشمالية وأوروبا على نحو 60% من عدد مراكز التفكير في العالم. فهناك 1,989 مركزاً في أميركا الشمالية، و1,822 مركزاً في أوروبا. غير أن عدد مراكز التفكير في الولايات المتحدة وحدها هو 1,830 مركزاً. كما أنه من الملاحظ أن أكثر من نصف مراكز التفكير هذه تتبع الجامعات في هذه البلدان. ومن الملاحظ أيضاً أن نحو رُبْع المراكز (حوالي 400 مركز) في الولايات المتحدة تتخذ من واشنطن العاصمة مقراً لها.
وهذا يعني أن مراكز التفكير تحظى بمكانة متقدمة في العالم الغربي قياساً بباقي مناطق العالم. كما يُعبِّر وجود نحو 28% من مجموع مراكز التفكير في العالم بالولايات المتحدة وحدها عن الدور الحيوي الذي تلعبه -أو تسعى للعبه- هذه المراكز في صناعة السياسات والقرارات لكبرى القوى العالمية.
ثانياً: مقارنة بالولايات المتحدة، تأتي الصين في المرتبة الثانية بـ429 مركزاً، وبريطانيا ثالثة بـ287 مركزاً، وألمانيا رابعة بـ194 مركزاً، والهند سادسة بـ192 مركزاً. ثم تأتي على التوالي كل من فرنسا والأرجنتين وروسيا واليابان وكندا. وهذا يعني أن الدول الكبرى والاقتصادات الكبرى تحظى بأعلى أعداد مراكز تفكير.
أما في منطقة الشرق الأوسط (مع تحفظاتنا على استخدام هذا المصطلح) وشمال أفريقيا التي يوجد فيها 521 مركز تفكير؛ فنجد أن مصر تحظى بالمرتبة 17 عالمياً بـ57 مركزاً، يليها الكيان الصهيوني “إسرائيل” بـ56 مركزاً. أما إيران فلديها 34 مركزاً، ولتركيا 31 مركزاً.
غير أن العدد هو مجرد مؤشر واحد من مجموعة مؤشرات على دور مراكز التفكير وتأثيرها؛ فتأثير مراكز التفكير على صانع القرار وعلى الحياة العامة، وجدية ونوعية الدراسات والاستشارات التي تقدمها، وأجواء الحرية التي تتمتع بها، وجهات التمويل التي تقف وراءها، والأجندات الوطنية أو الخارجية التي تتبناها، وقدرتها على الاستفادة من الأدمغة والعقول والخبراء في التخصصات المختلفة، وعلى تقديم حلول للمشاكل الحقيقية التي تعاني منها بلدانها…، كلها مؤشرات يجب أن توضع في الاعتبار عند تقييم أداء هذه المراكز.
ثالثاً: حسب نتائج التصنيف الذي أعلنه معهد لودر، فإن الولايات المتحدة تتصدر قائمة أفضل مراكز التفكير في العالم لسنة 2014، حيث يحتل معهد بروكينغز (Brookings Institute) المرتبة الأولى عالمياً، وتحتل المراكز الأميركية ستا من المراتب العشر الأولى، وإحدى عشرة من المراكز الخمسين الأولى. ويقف إلى جانب بروكينغز من الولايات المتحدة مركز كارنيجي ثالثاً، ومركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS) رابعاً، وراند سابعاً، ومجلس العلاقات الخارجية (CFR) ثامناً، ومركز وودرو ويلسون عاشراً.
أما بريطانيا فتقف منافساً قوياً للولايات المتحدة بمركزين ضمن العشرة الأوائل هما شاتام هاوس (House Chatham) ثانياً، والمعهد العالمي للدراسات الإستراتيجية (IISS) تاسعاً. ولبريطانيا ثمانية مراكز ضمن الخمسين الأولى. ولا نكاد نجد منافساً لأميركا وبريطانيا في قائمة الخمسين الأولى إلا من ألمانيا (ستة مراكز) وبلجيكا والصين (أربعة مراكز لكل منهما)؛ أما اليابان وكندا وروسيا وكوريا الجنوبية فحظيت بمركزين لكل منها.
وفي المنطقة العربية والإسلامية لا نجد في قائمة الخمسين الأولى إلا اسماً واحداً لمركز أميركي يتخذ من لبنان مقرا له، هو كارنيجي الشرق الأوسط الذي جاء في المرتبة الـ37.
أما مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية -وهو مركز مصري- فإنه يقع في المائة الأولى، وحصل على المرتبة الـ51. ويوجد في المائة الأولى إلى جانبه مركزان تركيان (المرتبتان 74 و87)، ومركز إندونيسي (المرتبة 69) ومركز ماليزي (المرتبة 90) ومركز بنغلاديشي (المرتبة 97). وبغض النظر عن الملاحظات المنهجية والعلمية التي يمكن أن تؤخذ على هذا التصنيف، فإنه يعطي انطباعاً عاماً بضعف أداء وتأثير مراكز التفكير في عالمنا العربي والإسلامي.
رابعاً: يتمتع الكثير من مراكز التفكير العالمية بوضع متين ومستقر ومغرٍ مالياً. وتتلقى دعماً واسعاً من جهات رسمية وخيرية وشركات ولوبيات ضغط وأصحاب نفوذ وأحزاب… و”فاعلي خير”. أي أن ثمة إدراكاً رسمياً وغير رسمي لدور مراكز التفكير وتأثيرها، وثمة محاولات للاستفادة منها أو لتوظيفها بما يخدم برامج الجهات المانحة.
وتشير إحدى الدراسات حول أعلى أو أفضل عشرين مركز تفكير أميركياً إلى أن معدل الميزانية السنوية للمركز الواحد هو 29 مليون دولار حسب إحصائيات 2011؛ وأن مركز راند لديه ميزانية سنوية بـ263 مليون دولار وأكثر من ألفي موظف، يليه مركز بروكينغز بميزانية سنوية بنحو تسعين مليون دولار ونحو 530 موظفاً.
وتشير الدراسة إلى أن متوسط معدل قيمة الممتلكات (الاستثمار المالي والممتلكات الموقوفة) هو 67 مليون دولار لكل مركز. مع ملاحظة أن قيمة ممتلكات مركز بروكينغز هي 299 مليون دولار، وكارنيجي 253 مليون دولار. ولاحظت الدراسة أن نسبة عالية من موظفي وباحثي هذه المراكز تزيد رواتبها على مائة ألف دولار سنوياً.
خامساً: حسب نتائج التصنيف العالمي في سنة 2014 لمراكز التفكير بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (الدول العربية وإيران وتركيا وقبرص والكيان الإسرائيلي)، فإن فروعا لمراكز أميركية تحتل ثلاثة مواقع متقدمة، وعلى رأسها كارنيجي الشرق الأوسط الذي حصل على المرتبة الأولى، وبروكينغز الدوحة في المرتبة الثالثة، وراند قطر في المرتبة الـ15.
ويعطي هذا التصنيف الكيان الإسرائيلي موقعاً متقدماً بوجود 12 مركزاً يتبعه ضمن الـ55 مركزاً الأولى، من بينها المركز الخامس لمعهد دراسات الأمن القومي (INSS)، والمركز التاسع لمركز بيغين/السادات للدراسات الإستراتيجية.
ويعطي التصنيف لمصر عشرة مراكز ضمن الـ55 الأولى، ولتركيا خمسة مراكز، ولكل من المغرب ولبنان أربعة مراكز، ولكل من الإمارات وقطر والأردن والكويت ثلاثة مراكز. وقد حظي مركز الأهرام بالمرتبة الثانية في هذه المنطقة، وحظي مركز الجزيرة للدراسات (قطر) بالمرتبة السادسة، ومركز دراسات الخليج (السعودية) على المرتبة الثامنة، ومركز الدراسات الإستراتيجية (الأردن) على المرتبة العاشرة.
وفيما يتعلق بالتصنيف للشرق الأوسط يجب تسجيل بعض الملاحظات:
الأولى هي الحضور الإسرائيلي القوي في هذا التصنيف؛ وهو يعود في جانب منه إلى الاعتراف الرسمي والمؤسسي والعلمي الإسرائيلي بدور مراكز التفكير، التي تلعب دوراً مشابهاً لما تلعبه المراكز في أميركا وأوروبا.
والثانية الحضور المتفوِّق لمراكز دراسات أميركية لها فروع في المنطقة العربية (بروكينغز وكارنيجي وراند).
والثالثة أن هذه النتائج ربما عكست حالة الضعف وغياب الدور الذي تعاني منه مراكز التفكير العربية والإسلامية. كما تعكس حالة التخلف التي تعيشها أمتنا؛ فهناك الكثير من المراكز في منطقتنا هي من قبيل الديكور والوجاهة لدى بعض الأنظمة. وهي لا تستطيع أن تتنفس إلا تحت سقف النظام وقبضته الغليظة.
وهناك مراكز لا تعدو كونها مكاتب علاقات عامة، وواجهات لوزراء وعسكريين كبار متقاعدين لدواعي الظهور في المنتديات ووسائل الإعلام، أو واجهات لجهات خارجية. أما تلك المراكز الحرة الجادة فهي إن سلمت من أساليب التضييق المختلفة، فلن تجد في أغلب الأحيان آذاناً صاغية من الأنظمة الرسمية التي تعيش تحت سلطتها.
والرابعة أنه في المقابل فإن هناك إشكالية مرتبطة بطريقة التصنيف التي تقتصر على تلك المراكز المسجلة في القائمة التي جمعها مركز لودر، والتي تمت مراسلتها للمشاركة في “مسابقة” التصنيف. ولا يبدو مثلاً أن أحد أكثر المراكز العربية قوة ونشاطاً وفاعلية وهو “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” (في قطر) حاضر أصلاً في التصنيف. كما لم تُدعَ مراكز فاعلة مثل “مركز الزيتونة” في بيروت للمشاركة في التصنيف…، وهو ما قد يؤثِّر في دقة التصنيف ومصداقيته.
والخامسة أننا لا نعلم على وجه الدقة من هم الذين قاموا بعملية التصنيف فيما يتعلق بالشرق الأوسط؟ وما مدى اطلاعهم الدقيق على أنشطة المراكز وتأثيرها في مجتمعاتها ومجالات تخصصها؟ وحتى مدى فهم المُحكِّمين للغة العربية أو التركية أو الفارسية التي يتحدث بها أهل المنطقة؟ وما هو حجم أنصار “إسرائيل” ضمن المجموعة المختارة للتصنيف؟ وهل لدى المُصنِّفين مواقف سياسية مسبقة تجاه قضايا حساسة كالموقف من دعم الكيان الصهيوني، ومن الصراع العربي الإسرائيلي، ومن الإسلام السياسي، ومن الثورات والتغيرات في العالم العربي…، بحيث توضع بعض المراكز في خانة “المغضوب عليهم” أو في خانة “التطرف”… وغيرها.
والسادسة أننا غير متأكدين من أن هذا التصنيف يعتمد في التقييم على الدور والفعالية والتأثير لهذه المراكز على صانع القرار والمهتمين في العالم الغربي، أم على صانع القرار والمهتمين في المنطقة العربية والإسلامية.
وبعبارة أخرى؛ فإن عدداً من المراكز التي أخذت تصنيفاً متقدماً لا تكاد تجد لنفسها قراء ومتابعين ومهتمين في منطقتنا العربية والإسلامية، بقدر ما تجد من مهتمين غربيين يقرؤون نسختها الإنجليزية.
وبالتالي فإن هذا التصنيف يجد مصداقية أكبر من خلال حضوره في المجلات العلمية ووسائل الإعلام الغربية، أكثر مما يجد مجاله في الوسط الأكاديمي والإعلامي العربي. فمثلاً نلاحظ أن حضور وتأثير مراكز الأهرام والجزيرة والعربي للأبحاث… هو أضعاف مضاعفة لحضور وتأثير مركز كارنيجي الشرق الأوسط الذي حصل على التصنيف الأول.
وسابعاً فإن الرسالة السلبية التي قد يفهمها البعض -والتي يحملها هذا التصنيف (بغض النظر عن نيات أصحابه)- هي أنه يقول لنا إنه ما دامت المراكز الأولى عندكم هي مراكز أميركية، وما دام التصنيف الأفضل لبلدان المنطقة هو للجانب الإسرائيلي، “فلا تتعبوا أنفسكم في التفكير، فنحن نفكِّر عنكم”!!
أما الرسالة الإيجابية التي يمكن استنتاجها فهي أن منطقتنا العربية والإسلامية تحتاج حاجة ماسة إلى مراكز تفكير علمية جادة، تعمل في بيئة حرة، وتكون لها أجندات وطنية وعربية وإسلامية حقيقية، ولا تصب في خانة الدراسات والتوصيات التي تسوّق القوالب والوصفات الأجنبية الجاهزة، ولا تقدِّم الوصفات التي تدعم أنظمة الفساد والاستبداد، وطرق بقائها وقمع شعوبها.
محسن صالح
قراءة في التصنيف العالمي لمراكز التفكير
جاء من الجزائر ساعياً إلى حياة أفضل، متوقعاً الهرب من الفقر، والقمع، واليأس. وفي باريس وجد وظيفة لا تحتاج إلى مهارات عالية، ثم صار له أبناء وأحفاد. وباعتبارهم مواطنين فرنسيين، كان لهم الحق في التعليم والرعاية الصحية. ولكنهم نشؤوا في أحياء الأقليات الفقيرة المكتظة بالسكان والتي تطوق المدن الكبرى في فرنسا، وكانوا محاطين بأسر مثل أسرهم تعيش حرفياً على هامش المجتمع. ومع عجزهم عن الاندماج بشكل كامل، كانت الفرص المتاحة لهم لتحقيق أي تقدم اقتصادي ضئيلة. وهكذا، تبدد حلم الفردوس.
الواقع أن هذه القصة تكررت ملايين المرات في بلدان أوروبا الغربية، حيث انتهت الحال بالمهاجرين وأسرهم إلى الفقر والاستبعاد. وفي أسوأ السيناريوهات، تجندهم كانت الجماعات المتطرفة التي يبدو وكأنها تقدم لهم ما كانوا يفتقدونه: الشعور بالانتماء، والهوية، والغرض. فبعد حياة من التهميش، قد تبدو المشاركة في قضية أكبر أمراً يستحق كل ما قد يكون مطلوباً للاحتواء والدمج من أكاذيب، وتدمير للذات، بل وحتى الموت.
في أعقاب الهجوم على المجلة الفرنسية الساخرة “شارلي إيبدو” في باريس وإحباط هجوم آخر في بلجيكا، ينبغي لأوروبا أن تلقي نظرة فاحصة على نفسها. ويتعين عليها أن تدرك أن الجيلين الثاني والثالث من المهاجرين عُرضة لإغراءات المنظمات الإرهابية الآن، لأن المواطنة الأوروبية لم تترجم إلى اندماج اجتماعي واقتصادي حقيقي. ولا شك أن فجوة التفاوت المتزايدة الاتساع -والتي تفاقمت بسبب سنوات الأزمة- تجعل المشكلة أشد سوءا.
إن الناس يحتاجون إلى الأمل كما يحتاجون إلى الإيمان برؤية، بمشروع يَعِد بمستقبل أفضل لهم ولمجتمعاتهم. وذات يوم كانت بلدان أوروبا تعرض عليهم ذلك الشعور بالأمل. ولكن الأزمة والاستجابة الرسمية لها وضعتا الإحباط وخيبة الرجاء في محل الأمل.
وقد خَلَق هذا أرضاً خصبة للشعبويين المعادين للأجانب والإرهابيين الإسلاميين على حد سواء، إذ تشير التقديرات إلى أن أكثر من 1200 مواطن فرنسي انضموا إلى القضية الجهادية في سوريا، فضلاً عن 600 من المملكة المتحدة، و550 من ألمانيا، و400 من بلجيكا. وتشهد بلدان أوروبية أخرى مثل إسبانيا ظاهرة مماثلة. والواقع أن بعض المواطنين الأوروبيين -مثل القتلة في حادثة “شارلي إيبدو”- ارتكبوا أفعالهم الشنيعة داخل بلدانهم.
ورغم أن أجهزة الاستخبارات وقوات الشرطة لابد أن تكون مشغولة بمنع الهجمات، فإن وضع إستراتيجية فعّالة لمواجهة الحركات المتطرفة يتطلب أولاً وقبل كل شيء التوصل إلى فهم واضح لدوافع هذه الحركات. ويتعين على البلدان الغربية أن تذهب إلى ما هو أبعد من الدفاع عن حرية التعبير، وتحسين التنسيق الشرطي لوضع الحلول الدائمة الكفيلة بعلاج التهميش الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه أتباع هذه الحركات، مع تجنب المواجهات الثقافية والاعتماد على القمع وحده.
والأمر الأكثر جوهرية هو أن مثل هذه الحلول تتطلب هجر ذلك الانفصام الزائف بين الحرية والأمن. فإذا كانت الغَلَبة للمخاوف الأمنية على الحقوق والحريات الأساسية، فإن التعصب يسجل بهذا انتصاراً واضحا؛ وسوف يحدث نفس الشيء إذا تزايدت تعبيرات مثل الخوف من الإسلام وكراهية الأجانب.
بعد أسبوع من وقوع هجمات باريس، شددت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل على المشاعر التي عبر عنها الرئيس السابق كريستيان فولف في عام 2010، فقد أعلنت ميركل -وهي تقف بجانب رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو- أن الإسلام جزء من ألمانيا مثله كمثل اليهودية والمسيحية.
ويمثل هذا التصريح الطريق الصحيح إلى الأمام. ولابد أن يتمكن المهاجرون المسلمون -سواء من الجيل الأول أو الثاني أو الثالث- من الاندماج بشكل كامل في المجتمع الأوروبي، فيحصلوا على نفس الفرص المتاحة لغيرهم من مواطني أوروبا والمقيمين فيها.
وينبغي لهذا المبدأ أن يطبق على المستوى العالمي أيضا، من خلال وضع إطار شامل يعزز التنمية ويشجع رفض التعصب في العالم الإسلامي. لقد أصبحت الأصولية العدوانية وأشكال الاقتتال الداخلي التي أعاقت المجتمعات المسيحية قرونا ذكرى من الماضي، ويجب أن تَظَل هناك.
إن الدين ليس مجرد نظام عقدي؛ فهو أيضاً مؤسسة ولغة، بل إنه طرف فاعل في سوق من نوع ما، يتنافس على الأتباع والأنصار. وتحاول الجماعات الإرهابية المتطرفة ترسيخ نسخة مشوهة من الإسلام “الحقيقي” باعتبارها المؤسسة الوحيدة، فتفرض لغتها للفوز بالسوق الإسلامية بالكامل.
واليوم، انضمت جماعات مثل تنظيم الدولة الإسلامية وبوكو حرام في نيجيريا إلى تنظيم القاعدة في صراع لاجتذاب المسلمين من مختلف أنحاء العالم، وبالتالي تؤمّن هذه الجماعات زعامتها للجهاد العالمي، كما أنها تنتهز الفرص التي تتيحها البيئة الجامحة والمؤسسات الضعيفة أو المنهارة لكسب موطئ قدم على الأرض.
والواقع أن الانتقال الفاشل في سوريا وليبيا واليمن بعد ثورات الربيع العربي هو الذي سمح بظهور تنظيم الدولة الإسلامية. فقد تجرأ الملايين من الشباب -على الرغم من خيبة الأمل بعد عقود من الشلل الاجتماعي والبطالة والدكتاتوريات الوحشية- على توقع الأفضل. ورغم أن التونسيين أحرزوا بعض التقدم، فإن غيرهم من سكان المنطقة تحطمت آمالهم، مثلهم في ذلك كمثل العديد من المهاجرين المسلمين في أوروبا.
إن فكرة الجهاد -شأنها في ذلك شأن أي برنامج سياسي اختزالي آخر- قادرة على إغواء مجموعة متنوعة وواسعة من الناس الذين يشتركون في سمة واحدة دائمة تقريبا، وهي شعورهم بالإحباط أو الافتقار إلى الغرض.
ويتعين على الغرب أن يدرك أن الصراع في العالم العربي -كما أظهرت حالة أفغانستان والعراق- من غير الممكن أن يُحَلّ بالتدخل العسكري الأجنبي. فالطريقة الوحيدة لاستعادة النظام وتحفيز التقدم في المنطقة تتلخص في تمكين المسلمين المعتدلين، حتى يصبح بوسعهم تحقيق النصر على قوى التطرف والعنف. ويتلخص دور الغرب في التعرف على هؤلاء المعتدلين ومنحهم القبول والدعم. وينبغي لهذا الدرس أن يطبق في الخارج والداخل.
خافيير سولانا
جيل جهادي في أوروبا
لا يزال التحرك الإعلامي والسياسي الغربي ينطلق في معالجته لظاهرة الإرهاب من نظرية صراع الحضارات ورؤى اليمين المحافظ في أوروبا وأميركا، ويفترض أن بالإمكان القضاء على الإرهاب بالحلول الأمنية فقط.
ولهذا فهو يدور حول ذات الأساليب القديمة: اتهام المسلمين والعرب، وتصوير المسألة على أنها صراع صِفري بين حرية التعبير وأعدائها أو بين الحداثة والإسلام، ثم العمل على تشديد الإجراءات الأمنية في الداخل، والاستمرار فيما يسمى “الحرب على الإرهاب” في الخارج.
لم تثبت العقود الماضية فشل هذه التحركات فحسب، وإنما أثبتت أيضا أن سياسات الغرب أدت إلى تعميق هذه الأزمات وصناعة المزيد من الإرهاب.
ومن هنا تعالج هذه المقالة مسألتين لهما علاقة مباشرة بما جرى في فرنسا مؤخرا وبتصاعد ظاهرة العداء للمسلمين، هما: ما الذي ينبغي على الدوائر الغربية والإعلامية سماعه فيما يتصل بالمشهد الأكبر لظاهرة الإرهاب بشكل عام؟ وما الخطوة الأولى التي يمكن أن تساعد في معالجة هذه الظاهرة؟
جذور المشكلة
أولى الخطوات التي تعالج ظاهرة الإرهاب هي تخلي الحكومات الغربية عن إصرارها على عدم الربط بين ظاهرة الإرهاب والسياسات والممارسات الفعلية لهذه الحكومات. وفي هذا الإطار يمكننا الحديث عن مساحات خمس على الأقل:
أولا: المواقف المزدوجة للغرب من قضيتين رئيسيتين تهم العالمين العربي والإسلامي، هما مشكلة فلسطين ودعم السياسات العنصرية الإسرائيلية منذ عقود من جهة، ومشكلة الحريات والديمقراطية والتحالف مع الحكام المستبدين من جهة أخرى.
على الغرب إدانة كل أشكال القتل، والربط بين الدماء التي تسيل عندهم ودماء الملايين من العرب والمسلمين (نعم الملايين) الذين قضوا نحبهم، منذ الاستقلال فقط في جولات الصراع العربي الصهيوني منذ 1948 وحتى آخر اعتداء إسرائيلي على غزة بالصيف الماضي، وفي أثناء الاحتلال الأميركي لأفغانستان والعراق منذ 2001، وفي انتفاضات الشعوب العربية من أجل الحرية ضد الحكومات المدعومة من الغرب وبالسلاح الغربي، وصولا إلى الربيع العربي ودماء مئات الآلاف من الشعب العربي في سوريا وليبيا واليمن، والآلاف في مصر بعد 30 يونيو 2013.
الغرب -بعبارات واضحة- يتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية إلى جانب مسؤولية الحكام العرب المستبدين والنخب المتحالفة معهم منذ الاستقلال وحتى الثورات المضادة الحالية.
ثانيا: استغلال حوادث الإرهاب لإدخال العالم العربي والإسلامي في صراعات ممتدة تحت اسم “الحرب على الإرهاب”.
إن الجيل الحالي -الذي صار أكثر وعيا وعلما وإصرارا على نيل حريته- يشهد الآن كيف أن مطالب الشعوب العربية في الكرامة والحرية والعدالة تتحول إلى حرب ضد الإرهاب، وكيف أن المجتمعات العربية يتم تقسيمها إما على أسس مذهبية وطائفية أو بين تيارين علماني وإسلامي.
لكن ما لا تدركه الحكومات الغربية هو أن أي حرب على الإرهاب ينتج عنها عادة المزيد من الضحايا، ومن ثم تصاعد الغضب الشعبي تجاه الدول الكبرى، بل وتفضيل الآلاف من الشباب الانضمام إلى الحركات المسلحة المناهضة للغرب، لتظل العلاقات الغربية الإسلامية تدور في دائرة مغلقة من الكراهية والعنف.
ثالثا: النظر إلى حرية التعبير والعلمانية والفصل بين الدين والدولة والمجتمع وكأنها من الأمور المطلقة، ومطالبة الآخرين بالتقيد بها كمعايير عالمية، وهذا أمر غير صحيح.
ففي الغرب هناك قيود على حرية التعبير، والفصل بين العام والخاص في مسألة الحريات صعب نظريا وعمليا، فلا يمكن فصل سلوك الإنسان في المجال العام عن سلوكه في المجال الخاص، لأنه ليس آلة وإنما هو كائن حي بمشاعر وأحاسيس وقيم.
كما أن الممارسة الواقعية تشهد العديد من القيود على الحريات الخاصة ليس فقط بتجريم إنكار الهولوكوست، وإنما أيضا بقيام الدولة لأول مرة في تاريخ الإنسانية -وبسبب فلسفة الحداثة الغربية واحتكارها أدوات العنف والجيش والمخابرات أولا، ثم بتعاظم قوة الرأسمالية وتقدم التكنولوجيا ووسائل الإعلام والدعاية ثانيا- بالتدخل في الحريات الشخصية ووضع القيود (بالقانون أو بدونه) في مسائل شخصية كالزواج والعلاقات الجنسية والإجهاض وغيرها.
والعلمانية -التي نجحت في إيقاف تجاوزات رجال الكنيسة في أوروبا وأبعدتهم عن التحكم في السياسة- لم توقف دور الدين والأحزاب ذات المرجعية المسيحية في الحياة السياسية، بل إن العلمانية تحولت عند البعض إلى إيديولوجيا تتحكم في مصير الناس وتحدد لغير الغربيين المعايير التي يجب التقيد بها للولوج إلى زمن الحداثة.
إن العلمانية الشاملة (كما أسماها المسيري) عند هؤلاء تقوم في الواقع بالوظائف التي تقوم بها الأديان، لأنها تحدد للناس الصواب والخطأ وتحدد لهم الغايات النهائية من الحياة. والمسلم الجيد -طبقا لهذا المنظور وعند بعض الدوائر الغربية السياسية والإعلامية- هو المسلم الذي يتجاوز الإسلام نهائيا إن أراد اللحاق بالحداثة.
رابعا: الصورة النمطية السلبية عن المسلمين والإسلام في الصحافة والإعلام وبعض الدوائر البحثية بالغرب، وعمليات التمييز التي تتعرض لها الأقليات هناك. وهذا أمر يهم كل الأقليات بشكل عام وإن بدرجات متفاوتة.
خامسا: العلاقات الاقتصادية غير العادلة بين الشمال والجنوب والتداعيات السلبية للعولمة، وطبيعة النظام الدولي للتجارة والاستثمارات الدولية القائم على محاباة الدول القوية على حساب الدول الصغيرة.
وهذه الأوضاع تؤدي على المدى الطويل إلى تفاقم المشكلات الاقتصادية والسياسية والأمنية داخل دول الجنوب في مرحلة أولى، ثم امتداد آثار هذه المشكلات إلى الأنساق الإقليمية والدولية في مرحلة تالية. وهذا أمر لا يخص الدول العربية والإسلامية فقط، وإنما جُل دول الجنوب في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية.
ما العمل؟
سبق أن طرحت في مايو/أيار 2011 -في أعقاب اندلاع الثورات العربية وأثناء توارد أنباء عن إستراتيجية أميركية جديدة في العالم العربي- فكرة وضع عهد أميركي/عربي للديمقراطية والتقيد به، إن أرادت الولايات المتحدة فعلا حسم موقفها من الديمقراطية في الدول العربية وإعادة صياغة سياساتها بشكل جذري.
وكانت الفكرة مستمدة من العهد الذي وقعته الولايات المتحدة مع حكومات أميركا الجنوبية في بيرو يوم 11 أيلول/سبتمبر 2001، وعرف بالعهد الديمقراطي للأميركتين (Inter-American Democratic Charter).
وبموجب هذا العهد حسمت أميركا موقفها من الديمقراطية في أميركا اللاتينية بعد عقود من دعمها الحكومات المستبدة والانقلابات العسكرية، وتخلت عن سياسة التدخل والهيمنة فيها، وتعهدت بالدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين، واحترام مبدأ السيادة والقانون الدولي.
وصارت الديمقراطية -في عبارات قاطعة- حقا من حقوق شعوب المنطقة، وأمرا أساسيا للتنمية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وضرورة حيوية لحماية حقوق الإنسان وحقوق العمال.
وكانت أميركا وأوروبا الغربية قد حسمت أيضا مواقفها من الديمقراطية في شرق أوروبا في إطار مواجهتها للشيوعية، حيث شكلت اتفاقيات هلسنكي -الصادرة عن مؤتمر الأمن والتعاون (1975)- أرضية مشتركة استندت إليها قوى الإصلاح لإضعاف شرعية أنظمة الحزب الواحد وتمهيد الطريق أمام التحول الديمقراطي.
وتضمنت الاتفاقيات عشرة تعهدات متبادلة تحتاج دولنا الإسلامية والعربية إلى معظمها في علاقاتها بأميركا والغرب، وهي المساواة في التمتع بالسيادة، والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد باستخدامها، وعدم انتهاك حدود الدول، ووحدة أقاليم الدول، والتسوية السلمية للمنازعات، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام حقوق الإنسان، وصيانة حق الشعوب في تقرير مصيرها، والتعاون بين الدول، والتقيد بالتزامات القانون الدولي.
وبالطبع؛ فإن علاقات العالمين العربي والإسلامي بالغرب أكثر تعقيدا، لكن الأثمان التي يدفعها العرب والمسلمون من جراء سياسات الاستعمار والهيمنة والتبعية ودعم المستبدين والمحتلين من جهة، والثمن التي تدفعه المجتمعات الغربية من جراء وصول العنف إلى المدن الغربية وتصاعد علاقات العداء للغرب من جهة أخرى، لا بد أن تدفع العقلاء في الجانبين وجميع القوى الحية في العالم إلى التفكير في شكل من أشكال المواثيق الدولية، لتنظيم العلاقة بين العالمين الإسلامي والغربي.
وذلك على أساس التدافع الحضاري السلمي بدلا من الصراع الإيديولوجي العنيف، وانطلاقا من المصالح المتبادلة بين شركاء ديمقراطيين حقيقيين بدلا من الهيمنة والإقصاء والمعايير المزدوجة.
وأتصور أن العهد المقترح لا بد أن يتضمن ذات التعهدات التي وردت في الإعلان اللاتيني واتفاقيات هلسنكي، وعلى الأخص دعم الديمقراطية الحقيقية والتخلي عن دعم الحكومات المستبدة والعسكرية ومنتهكي حقوق الإنسان، وذلك بالإضافة إلى ما يلي:
- الانطلاق من الإدراك الواعي بالمشهد الأكبر لظاهرة الإرهاب وأسباب وجذور المشكلة التي سبقت الإشارة إليها، والمخاطر الناجمة عن تجاهلها.
- تحديد مضامين وحدود وضمانات الحريات والمقدسات لدى كل طرف من العالمين الإسلامي والغربي، وذلك حسب القيم الثقافية والحضارية لكل منهما، وتحديد ما يمكن للشعوب العربية والإسلامية أخذه من الغرب (من العلمانية والديمقراطية والليبرالية وغيرها) وما يجب أن تتركه، وذلك كما تفعل كل الأمم الحية في تفاعلاتها الحضارية.
- إقرار واحترام حق الشعوب العربية والإسلامية في التمسك بالقيم والمبادئ الخاصة بها والمستمدة من الإسلام، وذلك في المساحات المتعلقة بالبناء الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، والتي كانت من ركائز بناء حضارة إسلامية وعربية عريقة عرفت الحرية، والعدالة، وحكم القانون، والشفافية، ومساءلة الحكام والمسؤولين، والتسامح، والتعددية، واستقلال المال العام عن المال الخاص، والمشروع الخاص، والأوقاف، واستقلال القضاة والعلماء والمجتمع بكافة مكوناته، وذلك قبل الغرب بألف سنة.
- التأكيد على دعم حل شامل وعادل للصراع العربي الصهيوني، ينهي الطابع العنصري والإمبريالي لدولة الاحتلال، ويقر حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وكافة الحقوق التي وردت في العشرات من القرارات الدولية.
- تحديد واجبات ومسؤوليات كل طرف بعبارات واضحة، ووضع آليات للتنفيذ والمتابعة.
عبد الفتاح ماضي
الحاجة إلى ميثاق إسلامي/غربي للديمقراطية والحريات