Posts mit dem Label عملية السلام werden angezeigt. Alle Posts anzeigen
Posts mit dem Label عملية السلام werden angezeigt. Alle Posts anzeigen

Donnerstag, 26. März 2015

فلسطين

لم يعد يخفى على أحد أن المسألة المالية باتت منذ سنوات من أهم المسائل التي تؤثر بطريقة سلبية على توجهات القيادة الفلسطينية، وتساهم أيضا في تأزيم العلاقات بين القوى الفلسطينية.


المسألة المالية، التي نقصد، لا تتوقف فقط على ضعف الإمكانيات المالية للفلسطينيين، ولا على القلق بشأن انتظام أو عدم انتظام الدعم المالي المقدم للسلطة من قبل ما تسمى “الدول المانحة”، والداعمة لما تسمى “عملية السلام”، فحسب، وإنما تشمل أيضا الضغوط الإسرائيلية المتمثلة في قطع مستحقات السلطة من الضرائب التي تجبيها عن الواردات إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة (1967).

ومعلوم أن إسرائيل اعتادت بين فترة وأخرى استعمال هذا الأسلوب للضغط على القيادة الفلسطينية، لفرض الإملاءات التفاوضية عليها، وهو ما حصل مؤخرا بقرار نتنياهو الامتناع عن تسليم مستحقات السلطة المالية (حوالي 130 مليون دولار شهريا) كعقاب لها على التوجه للانضمام لعضوية المنظمات الدولية.

وفوق هذا كله، باتت ثمة مشكلة مالية أخرى تتعلق بتسهيل متطلبات المصالحة، واستعادة وحدة النظام الفلسطيني بين الضفة وغزة، والتي يقف على رأسها استيعاب حوالي 30 أو 40 ألفا من موظفي السلطة في غزة من التابعين لحركة حماس (في منظور حركة فتح والسلطة)، وتأمين رواتبهم الشهرية.


وللعلم فإن موازنة السلطة الفلسطينية تبلغ حوالي أربعة بلايين دولار سنويا، يتأتى أقل من ربعها فقط، أي حوالي 980 مليون دولار، من ضرائب محلية، في حين يتأتى بقية المبلغ من إيرادات المقاصة، عبر إسرائيل، وقدره 1722 مليون دولار سنويا، ومن دعم ما تسمى الدول المانحة الذي يقدر بحوالي 1400 مليون دولار سنويا، أي أن أكثر من ثلاثة أرباع موارد السلطة تتأتى من مصادر خارجية، لا تسيطر عليها، أو لا تملك إزاءها شيئا، وضمن ذلك تبدو إسرائيل هي صاحبة اليد الطولى، علما أن هذه أموال الفلسطينيين ذاتهم، مما يبين مدى اعتماد السلطة وارتهانها للأموال المتأتية من مصادر خارجية.


فوق ذلك ثمة عوامل عديدة تفاقم مشكلة الاعتماد على الخارج عند الفلسطينيين من الناحية المالية، أولها أن إسرائيل تسيطر على المجال الفلسطيني من كل النواحي، أي على المعابر والصادرات والواردات وحركة رؤوس الأموال وتعاملات البنوك، وأنها تشتغل وفق منهج يتأسس على خنق الفرص الاقتصادية للفلسطينيين، ومنع أي استقلالية لهم.

وثانيها، أن السلطة منذ إقامتها لم تنتبه للمخاطر التي تنجم عن التبعية المالية للخارج، وأنها فرطت باستقلالها الاقتصادي بتوقيعها اتفاقية باريس (1994)، التي جعلت إسرائيل تقوم بدور الوسيط في استقطاع الضرائب عن الواردات، وتسليمها للسلطة، وفي علاقات التبعية الاقتصادية لإسرائيل من كل النواحي.


وثالثها، أن السلطة في غمرة توهمها بشأن اتفاق أوسلو منذ عقدين لم تنتبه أيضا إلى مخاطر تضخيم جهاز الموظفين لديها، وربما تقصدت ذلك لامتصاص اليد العاملة، بغرض تشكيل قاعدة اجتماعية واسعة مؤيدة لها، ويشمل ذلك تضخم الأجهزة الأمنية، التي لا تفعل شيئا لحماية المواطن الفلسطيني في مدن الضفة من اعتداءات المستوطنين أو الجنود الإسرائيليين.


بالنتيجة فقد بات لدى السلطة جهاز موظفين، في السلكين المدني والأمني، يناهز 160 ألف موظف (ما عدا موظفي حماس وأجهزتها الأمنية في غزة) لحوالي أربعة ملايين فلسطيني في الضفة وغزة، علما أن كتلة الرواتب والأجور في السلطة تناهز 2000 مليون دولار، مما يشكل نصف موازنة السلطة، وبحيث بتنا إزاء قطاع واسع من الفلسطينيين يعتمد كليا على الخارج في إعالته ومعاشه.


ولا شك أن حالة مثل هذه تولد تأثيرات أو تشوهات كثيرة اجتماعية ونفسية وسياسية، فنحن إزاء طبقة لا ترتبط بأي نمط إنتاجي، وليس لها صلة مباشرة بالمصالح السياسية والاقتصادية للفلسطينيين، مما يعني تولد وعي سياسي، وربما أولويات وقيم سياسية ووطنية مختلفة.


وفي المحصلة فإن هذا الوضع يساهم في إضعاف إجماعات الفلسطينيين، وضمن ذلك تفارق مواقفهم إزاء الاحتلال أو إزاء التخلص من الاحتلال، لاسيما أنه يضع جزءا كبيرا منهم إزاء مفاضلة صعبة وخطيرة، بين تمسكهم بحقوقهم الوطنية، وبين حفاظهم على لقمة عيشهم.

المشكلة أن جميع الفصائل الفلسطينية تدرك العلاقة الخطيرة، والاختلال الكبير، في تبعية السياسة للشأن المالي، لكن المؤسف أن أيا منها لم تتصرف على أساس ذلك، وإنما على العكس، إذ إن جميع الفصائل، المؤيدة والمعارضة لأوسلو، تطالب بإلحاح بحصتها من هذه الأموال، ويأتي ضمن ذلك مطالبة حماس بتأمين رواتب موظفيها، وهو أمر مشروع بالطبع من الناحية المبدئية.


وفي الواقع فإن هذه الحال بالذات من بين أمور أخرى تفسر عجز، أو تردد، هذه الفصائل إزاء التفكير في خيارات سياسية بديلة، وارتهانها بدورها، من الناحية العملية، لمعادلات السلطة الناجمة عن اتفاقات أوسلو، رغم كل ما تفعله إسرائيل في الأراضي المحتلة.


فوق كل ذلك، فإن هذا الوضع يثير التساؤلات عن قضيتين، أولاهما اعتماد هذه الكيانات وضمنها الفصائل في مواردها المالية على المصادر الخارجية أكثر بكثير من اعتمادها على المصادر المتأتية من شعبها. وثانيتهما خطورة الدور الذي لعبه المال السياسي في تجويف أو إفساد الحركة الوطنية الفلسطينية من حيث المبنى والمعنى.


ومعلوم أن العمل الوطني الفلسطيني، منذ بداياته قبل حوالي نصف قرن، احتاج إلى موارد مالية هائلة للصرف على العمل المسلح، وضمنه على قواعد ومعسكرات التدريب والبنية الخدمية والأجهزة الإدارية، كما على سفارات وإعلام ومستشفيات ومكاتب ومرتبات أسر شهداء وجرحى وأسرى، وفي مرحلة من المراحل كان ثمة عشرات ألوف المتفرغين.


وإذا كان مفهوما أن الدعم المالي الذي حصلت عليه الحركة الوطنية الفلسطينية، منذ بداياتها، سهّل عليها عملها، وساهم في تطوير قدراتها، وتعدد أنشطتها، فإنه أدى في ما بعد إلى تضخم أجهزة هذه الحركة، وتحولها إلى نوع من سلطة، كما حصل في الأردن ولبنان في أواخر الستينيات وعقد السبعينيات، ثم في الضفة والقطاع، بعد إقامة الكيان الفلسطيني في العقدين الماضيين، مما شكل عبئا ماليا كبيرا على السلطة، والحركة الوطنية الفلسطينية، من الناحيتين المالية والسياسية.


ولعل ما يثير الاستغراب حقا، في هذه القصة، أن الكيانات السياسية الفلسطينية، التي لها من العمر أكثر من أربعة عقود، لم تشتغل على تأمين شبكة أمان مالية خاصة بها، من الأعضاء المنتسبين، ومن المناصرين والمتعاطفين معها، ومن الاستثمارات التي أُتيحت لها في العديد من الدول في مراحل سابقة، باعتبار أن ذلك يساهم في تعزيز استقلاليتها، ويضمن صدور مواقفها عن رؤية وطنية خالصة.

كما يثير الاستغراب أن معظم هذه الكيانات، التي استمرأت تضخيم عدد المتفرغين الموظفين لديها، بغض النظر عن كفاءاتهم واستعداداتهم النضالية، وفي معزل عن الحاجة العملية لهم، لم تحاول البتة مراجعة هذا السلوك، للتخفيف من العبء المالي الذي يقع على كاهلها جراء ذلك.

بالمحصلة، فإن هذا الوضع المالي الفوضوي، وغير المحسوب، والمعطوف على كيانات سياسية تفتقر إلى المأسسة والعلاقات الديمقراطية، وقواعد المكاشفة والمحاسبة، أدى لترهل هذه الحركة، وتيبس بناها، فضلا عن إثارة شبهة الفساد من حولها.

وقد كان من النتائج الأولية لهذا التضخم تآكل الأهلية النضالية لمعظم الكيانات السياسية، التي بات الانخراط فيها، بالنسبة لكثيرين، يعني الأخذ لا العطاء، ونيل الامتيازات السلطوية، بدلا من الإسهام في المشاركات النضالية، مما أضر بفاعليتها ومكانتها، وبالتالي بصدقيتها.

هكذا يبدو، وعلى ضوء كل ما اختبرته التجربة الفلسطينية، أن المال السياسي لعب دورا كبيرا في جمود، أو تيبس النظام السياسي الفلسطيني، وإعاقة تطوره، فنظام المحاصّة (الكوتا)، كما هو معروف، لا يقتصر على الموارد المالية فقط، وإنما يشمل حق كل الفصائل في التمثل في مؤسسات منظمة التحرير أيضا، أي في لجنتها التنفيذية وفي المجلسين الوطني والمركزي، وذلك بغض النظر عن دور هذه الفصائل ومكانتها وفاعليتها.


ولا حاجة بنا هنا إلى التأكيد أن معظم الفصائل الفلسطينية القائمة إنما تدين بوجودها لنظام “الكوتا” الفصائلي، المالي والسياسي فقط، بالنظر إلى افتقادها لأي مبرر، أو تمايز، من النواحي الفكرية أو السياسية أو النضالية، وبالنظر إلى انعدام تأثيرها سواء في ميدان الصراع ضد العدو، أو في أوساط شعبها.


وكانت الانتخابات التشريعية الثانية 2006 أكدت ذلك، إذ تمخضت عن فوز حركتي فتح وحماس بغالبية المقاعد الـ132، ونيل الجبهة الشعبية ثلاثة مقاعد، وحصول الجبهة الديمقراطية مع حزبي الشعب و”فدا” على مقعدين فقط، في حين غابت باقي الفصائل، وحصل تيار “المبادرة الوطنية”/مصطفى البرغوثي على مقعدين، و”تيار الطريق الثالث”/فياض وعشراوي على مقعدين أيضا.


ويتبين من ذلك أن نظام “الكوتا” المالي والسياسي هو الذي ضمن استمرار “الستاتيكو” الفصائلي القائم، وأنه من دون ذلك لربما اختفت غالبية الفصائل، أو لربما وجد بعضها نفسه مضطرا لمراجعة أحواله، ودراسة جدوى وجوده.


وللتذكير، فإن الأعراض المرضية للدعم المالي الخارجي لم تمس المنظمة والسلطة وفتح فحسب، وإنما مست كل الفصائل، وضمنها “اليسارية”، التي ظلت تتغذى، أو تعتمد على أموال المنظمة والسلطة، والتي دأبت على الدوام على المطالبة بحصتها، سواء كانت هذه الأموال متأتية من دول عربية، أو متأتية من الدول الغربية الإمبريالية، كالولايات المتحدة وكندا ودول الاتحاد الأوروبي!


واضح أن المال السياسي ربما سيبقى يلعب لعبته الخطرة في تجويف الحركة الوطنية الفلسطينية، في مبناها ومعناها، ما لم تخلق الظروف التي تدفع هذه الحركة، أو القوى المحركة لها، نحو تغيير قواعد عملها. فهذا الدعم سيظل يشتغل سلبا بتعزيز الاتكال على الخارج، وإفساد الحياة السياسية، وجعل القضايا مجرد ورقة للتوظيف والاستخدام، ناهيك عن شق الصفوف، وتشكيل سلم قيم مختلف مع سلوكيات غريبة عن الروح النضالية.

فوق كل ذلك فالدعم الزائد عن الحد يشجع على خلق توهمات، والدخول في مغامرات عسكرية غير مدروسة، لا علاقة لها بقدرة الشعب على التحمل، أو على استثمار تضحياته ونضالاته، وهذه ملاحظة من واقع تجارب لبنان وفلسطين وسوريا، لأن الأولوية تغدو إثباتا للذات ولخدمة سياسات الداعمين بدلا من خدمة مصالح الشعب والقضية.

هكذا، لا بد من المراجعة النقدية، الشجاعة والمسؤولة، والتي تفضي إلى تخفيف اعتماد الحركة الوطنية الفلسطينية على الموارد الخارجية، لتفويت استهدافات الضغط الإسرائيلي والأميركي عليها وعلى شعبها، والاعتماد على الموارد الذاتية، وضمنها تكييف أشكال العمل والنضال بما يتلاءم مع قدرات الفلسطينيين وإمكانياتهم، فهذا ما يجعل كفاحهم أسلم وأعمق وأقوى أثرا على كينونتهم كشعب، وعلى حركتهم السياسية، وعلى جدوى كفاحهم.



فلسطين

Mittwoch, 11. März 2015

عملية السلام بتركيا ودعوة أوجلان حزبه لإلقاء السلاح

بدعوته قيادات حزبه إلى عقد مؤتمر طارئ الربيع القادم لاتخاذ قرار تاريخي بالتخلي عن العمل المسلح ضمن مساع لإنهاء الصراع المستمر مع السلطات التركية منذ ثلاثين عاما، يكون زعيم “حزب العمال الكردستاني” عبد الله أوجلان قد فتح آفاقا جديدة لحل القضية الكردية في تركيا.


فمن شأن هذه الخطوة -التي تمتن أسس عملية السلام بين أنقرة و”حزب العمال الكردستاني”- أن تقرب اللحظة التاريخية بحصول حل جذري للقضية الكردية في داخل تركيا، مع إمكانية أن يتبع ذلك تحول جوهري في طبيعة العلاقة بين الدولة التركية والمسألة الكردية في كامل المنطقة.


بحيث تتحول تركيا -التي دفعت تكاليف باهظة بسبب علاقتها المتوترة مع أكرادها بلغت أربعين ألف ضحية من مواطنيها (الأتراك والأكراد)، وخسائر اقتصادية تقارب مئات المليارات من الدولارات- إلى دولة تستثمر سياسيا وإستراتيجياً في الوجود الكردي المتفاعل في كامل المنطقة.


لذا يمكن القول إن إدراك تركيا لأهمية عملية السلام مع أكرادها ربما يتجاوز رغبة إيقاف التدخلات الخارجية في شؤونها الداخلية، إلى تحويل العديد من الأجنحة والفصائل السياسية والأيديولوجية المنتمية لعقيدة “حزب العمال الكردستاني” بين الأكراد -بما فيها حزب “الحياة الحرة/ بيجاك” في إيران- إلى قوى سياسية واقتصادية نافذة تتلاءم والإستراتيجيات التركية في المنطقة. موسعة المحيط الحيوي لنفوذها في الشرق الأوسط على حساب النفوذ الإيراني، المعتمد في جوهره على “العصبوية” الطائفية والانتماءات الضيقة.


كذلك، فإن التحول نحو الحل السلمي والديمقراطي والتخلي عن السلاح والعنف، سيتبعه استغناء “حزب العمال الكردستاني” عن الخدمات الإيرانية، مما يعني زيادة دعم مرتكزات حل القضية الكردية في كامل المنطقة، والمعتمد -بشكل أساسي وجوهري- على إشاعة مناخات ديمقراطية لا تستطيع “دولة دينية” و”ثيوقراطية” مثل إيران توفيرها أو تقديمها.


أغلب الظن أن تأثيرات هذه الدعوة -في حال الاستجابة لها- ستغير شكل ونمطية العلاقات البينية بين الأكراد أنفسهم، وما يكتنف تلك العلاقات من صراع، يعتمد طرفاه على “حزب العمال الكردستاني” في تركيا من جهة، و”الحزب الديمقراطي الكردستاني” في العراق من جهة أخرى.


وسينعكس الأمر بدوره على الساحة الكردية في سوريا، فمع تخفيف حدة المزاحمة السياسية بين الحزبين وتحرير “حزب العمال” من “المحور الإيراني”، يُتوقع حدوث انفراجات سياسية، يتقرب بموجبها “حزب الاتحاد الديمقراطي” (النسخة السورية من “حزب العمال الكردستاني”) من المعارضة السورية القريبة من تركيا.


وربما كانت عملية نقل ضريح “سليمان شاه” (جدّ مؤسس الدولة العثمانية) وما تبعها من تسريبات حول تنسيق تركي مع “قوات حماية الشعب” الكردية، يصب في هذا الاتجاه.


حيث يحمل هذا التعاون في مضمونه رسالة سياسية وأمنية بخصوص التوجهات المستقبلية لتركيا، والتي قد ترى في تعاونها مع قوات “حماية الشعب” -وهي صاحبة السلطة الفعلية في المناطق الكردية بسوريا- الطريقة المثلى لحماية حدودها من شرارات الحالة السورية وتبعات الصراع هناك.


لا شك أن دعوة أوجلان جاءت بعد مجموعة متباعدة من الإصلاحات والتحولات قام بها “حزب العدالة والتنمية” الحاكم في تركيا، بدءا من السماح بتنظيم دورات لتعليم اللغات غير التركية، وإطلاق قناة تلفزيونية ناطقة بالكردية “6TRT”، ووصولا إلى إعلان أردوغان “حزمة الإصلاحات الديمقراطية” في سبتمبر/أيلول ٢٠١٣، والمتضمنة في بعض بنودها إعطاء التراخيص لفتح مدارس ومعاهد خاصة باللغات غير التركية، وإعادة تسمية بعض القرى الكردية بأسمائها القديمة، ورفع القيود عن النشر باللغة الكردية.


غير أن التحول الأهم لم يقتصر على الجانب الحكومي وطرْحه لرؤية مختلفة عن رؤية الحكومات التركية المتعاقبة التي تعاطت مع القضية الكردية بالطرق والأساليب الأمنية والعسكرية، فقد ساهم أوجلان في إحداث تحول ما يمهد لفكرة تخلي حزبه عن السلاح، من خلال تغير نظرته لمحددات الصراع، وتبنيه لمفهوم “الأمة الديمقراطية”، ونقده “النظرية القومية” و”الجنسوية”، الأمر الذي أثر -بشكل ملموس- على الخطاب “القومي الرومانسي” لدى حزبه.


لكن وبالرغم من تأثير أوجلان (المسجون مدى الحياة في سجن “إمرالي” التركي) على خطاب الحزب، وطلبه الصريح لأتباعه التخلي عن السلاح، وسط ترحيب حكومي ورفض من حزب “الحركة القومية” (ثاني أحزاب المعارضة الكبرى في تركيا)، فإن عوائق مركبة وحقيقية تعترض سبيل تلك الدعوة، أهمها ما يتعلق بقدرة “حزب العمال” على تجديد نفسه وخطابه ليتواءم مع التحولات السياسية المقبلة، وقدرته على إجراء مراجعات شاملة وجذرية في أسسه النظرية والعقائدية.


هذا إلى جانب مقدرة الحزب الفعلية على التخلص من النزعة العسكرية، بعد أن أضفى “الجناح العسكري” صبغته على كامل الحزب منذ تبنيه مبدأ “الكفاح المسلح” عام ١٩٨٤، حيث اعتبرت قيم الشهادة والاستشهاد والتضحية الجسدية، مع المقاربة المستمرة لمستوى “الثورية” واتقاد جذوتها بالعنف والمقاومة المسلح، من المرتكزات الأساسية في بينة الحزب.


صحيح أن اللجنة القيادية في “منظومة المجتمع الكردستاني” (وهي اللجنة القيادة في “حزب العمال الكردستاني”) قد أصدرت بيانا موسعا حول نداء أوجلان، وربطت فيه التخلي عن “الكفاح المسلح” بحل القضية الكردية حلا جذريا، إلا أن اللجنة لم ترفض النداء بل وصفته “بالخطوة التاريخية”، مطالبة الحكومة التركية بتسلم زمام المبادرة وتقديم مؤشرات صادقة على نيتها في إنجاح عملية السلام، والإيفاء بتعهداتها وتنفيذ “الشروط العشرة التي طرحها أوجلان” كإطار شامل للحل السياسي.


الحقيقة، أن عملية السلام في تركيا -التي بدأت قبل أكثر من عامين من خلال مفاوضات “غير مباشرة” بين الحكومة التركية وأوجلان- تدعمها قطاعات عريضة من الشعب الكردي والتركي، وذلك لإدراك الطرفين أن السير في اتجاه السلام هو الطريق الأصح من أجل إحداث نقلة سياسية وأيديولوجية في البلاد، تجنبها المزيد من إزهاق الأرواح ومراكمة الأحقاد، فضلا عن تحويل عوامل الضعف والاستنزاف إلى عوامل قوة وتفاعل، في منطقة يتنازعها صراع الهويات وحدودها الدموية.


لا يُعرف بالضبط حجم ومدى التحولات التي قد تطرأ على عملية السلام خلال الأشهر والسنوات القادمة، لكن ما يمكن قوله هو أن مستقبل الأكراد والأتراك ليس مرهونا بالغطاء السياسي والديمقراطي فقط، بل بعقد اجتماعي جديد يؤسس لدولة جديدة ذات هوية متفاعلة ومتجددة، هوية قادرة على تغليب روح العدالة والتسامح على لوثة الانتقام وحوار البنادق والدم.


عماد مفرح مصطفى



عملية السلام بتركيا ودعوة أوجلان حزبه لإلقاء السلاح